الجاحظ
327
رسائل الجاحظ
واحضره إلى بغداد فلم يقم الا قليلا ومات وعين مكانه أكثم التميمي المتعصب لأهل السنة « 1 » . اتصل الجاحظ بالمتوكل ، وكان سبب ذلك الاتصال انه ذكر لتأديب بعض أولاده ، فاستدعاه إلى القصر ، فلما رآه استبشع منظره فامر له بعشرة آلاف درهم وصرفه « 2 » . ومعنى ذلك أن اتصال الجاحظ بالخليفة كان عابرا ، فلم تتوثق علاقته به كما توثقت باسلافه ، اي المأمون والمعتصم والواثق . لم يبال المتوكل بالجاحظ ، بل كرهه واشمأز من بشاعته وامر بابعاده . ولا نظن أن بشاعته وحدها كانت السبب في اقصائه من قصر الخلافة ، فلا بد من أسباب أخرى أهم منها دفعت المتوكل إلى ذلك الموقف من الجاحظ . وإذا لم يحالفه الحظ في التقرب من الخليفة ، فقد وفق إلى كسب ود المقربين إليه أو أصحاب السلطة أمثال أحمد بن أبي دؤاد ( 239 ه ) وابنه محمد ( 239 ه ) والفتح بن خاقان ( 247 ه ) وإبراهيم بن عباس الصولي ( 243 ه ) . اما أحمد بن أبي دؤاد فقد كان يشغل منصب قاضي القضاة منذ عهد المعتصم ، ولم يكن الجاحظ على علاقة حميمة به لأنه كان منقطعا إلى ابن الزيات ، مما أوغر صدر القاضي ، فلما فتك المتوكل بابن الزيات خاف الجاحظ وهرب إلى البصرة متواريا عن انظار القاضي احمد ابن أبي دؤاد . فلاحقه رجال القاضي حتى قبضوا عليه وساقوه مكبلا إلى سيدهم في قميص سمل وفي عنقه سلسلة . فلما مثل بين يديه قال القاضي : « ما علمتك الا متناسيا للنعمة كفورا للصنيعة ، معدنا
--> ( 1 ) اليعقوبي ، التاريخ ، ج 2 ، ص 487 . ( 2 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان ( النهضة المصرية القاهرة ، 1948 ، ط ) ج 3 ، ص 141 .